ابن حزم
260
رسائل ابن حزم الأندلسي
بان عنها من السقم الدخيل والمرض والذبول إلى أن ماتت بعده بعام في اليوم الذي أكمل هو فيه تحت الأرض عاماً ؛ ولقد أخبرتني عنها أمها وجميع جواريها أنها كانت تقول بعده : ما يقوي صبري ويمسك رمقي في الدنيا ساعة واحدة بعد وفاته إلا سروري وتيقني أنه لا يضمه وامرأة مضجع أبداً ، فقد أمنت هذا الذي ما كنت أتخوف غيره ، وأعظم آمالي اليوم اللحاق به . ولم يكن قبلها ولا معها امرأة غيرها ، وهي كذلك لم يكن لها غيره ، فكان كما قدرت ، غفر الله لها ورضي عنها . وأما خبر صاحبنا أبي عبد الله محمد بن يحيى [ بن محمد ] ابن الحسين التميمي ، المعروف بابن الطبني ( 1 ) : فإنه كان رحمه الله كأنه قد خلق الحسن على مثاله أو خلق من نفس كل من رآه ، لم أشهد له مثلاً حسناً وجمالاً وخلقاً وعفة وتصاوناً وأدباً وفهماً وحلماً ووفاء وسؤدداً وطهارة وكرما ودماثة وحلاوة ولباقة وصبراً وإغضاء وعقلا ومروءة وديناً ودراية وحفظاً للقرآن والحديث والنحو واللغة ، و [ كان ] شاعراً مفلقاً حسن الخط وبليغاً مفنناً ، مع حظ صالح من الكلام والجدل ، وكان من غلمان أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي ( 2 ) أستاذي في هذا الشأن ، وكان بينه وبين أبيه اثنا عشر عاما في السن ، وكنت أنا وهو متقاربين في الأسنان ، وكنا أليفين لا نفترق ، وخدنين لا يجري الماء بيننا إلا صفاء ، إلى أن ألقت الفتنة جرانها وأرخت عزاليها ، ووقع انتهاب جند البربر منازلنا في الجانب الغربي
--> ( 1 ) بنو الطبني أًصلهم من منطقة الزاب في المغرب ( الجزائر حالياً ) ، أول من بنى بيت شرفهم بالأندلس أبو مضر زيادة الله بن علي الطبني إذ كان نديم محمد بن أبي عامر ، وقد ترجم ابن بسام لعدد منهم ( انظر 1 / 1 : 535 - 547 ) وهناك فرع آخر من الطبنيين وهم : محمد ابن حسين الطبني وعقبه ( الصلة : 562 والجذوة : 47 ) وقد كان لمحمد ابن هو يحيى ، فأعقب يحيى ثلاثة من الأولاد وهم : أبو بكر إبراهيم ( الجذوة : 149 ) وأبو عبد الله محمد ، وهو هذا الذي كان صديقاً لابن حزم ( الجذوة : 92 ) وأبو عمر القاسم وكان أيضاً أديباً شاعراً ( الجذوة : 313 وسيذكره ابن حزم في ما يلي : 263 ) . ( 2 ) قد مر التعريف به ص : 196 .